فصل: تفسير الآية رقم (15)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التحرير والتنوير المسمى بـ «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»***


سورة مريم

تفسير الآية رقم ‏[‏1‏]‏

‏{‏كهيعص ‏(‏1‏)‏‏}‏

حروف هجاء مرسومة بمسمياتها ومقروءة بأسمائها فكأنها كتبت لمن يتهجاها‏.‏ وقد تقدم القول في مجموع نظائرها‏.‏ وفي المختار من الأقوال منها في سورة البقرة وكذلك موقعها من الكلام‏.‏

والأصل في النطق بهذه الحروف أن يكون كل حرف منها موقوفاً عليه، لأنّ الأصل فيها أنها تعداد حروف مستقلة أو مختزلة من كلمات‏.‏

وقرأ الجمهور جميع أسماء هذه الحروف الخمسة بإخلاص الحركات والسكون بإسكان أواخر أسمائها‏.‏

وقرأ أبو عمرو، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، ويعقوب اسمَ الحرف الثاني وهو ‏{‏ها بالإمالة‏.‏ وفي رواية عن نافع وابن كثير ‏(‏ها‏)‏ بحركة بين الكسر والفتح‏.‏ وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي ‏(‏يا‏)‏ بالإمالة‏.‏

وقرأ نافع، وابن كثير، وعاصم، وأبو جعفر بإظهار دَال ‏(‏صاد‏)‏‏.‏ وقرأ الباقون بإدغامه في ذال ذكر ‏{‏رحمة ربك‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 2‏]‏ وإنما لم يمد ‏(‏ها‏)‏ و‏(‏يا‏)‏ مع أنّ القارئ إنما ينطق بأسماء هذه الحروف التي في أوائل السور لا بمسمياتها المكتوبة أشكالُها، واسمَا هذين الحرفين مختومان بهمزة مخففة للوجه الذي ذكرناه في طالع سورة يونس وهو التخفيف بإزالة الهمزة لأجل السكت‏.‏

واعلم أنك إن جريت على غير المختار في معاني فواتح السور، فأما الأقوال التي جعلت الفواتح كلها متحدة في المراد فالأمر ظاهر، وأما الأقوال التي خصت بعضها بمعان، فقيل في معنى ‏{‏كهيعص‏}‏ إن حروفها مقتضبة من أسمائه تعالى‏:‏ الكافي أو الكريم أو الكبير، والهاء من هادي، والياء من حكيم أو رحيم، والعين من العليم أو العظيم، والصاد من الصادق، وقيل مجموعها اسم من أسمائه تعالى، حتى قيل هو الاسم الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب، وقيل اسم من أسماء القرآن، أي بتسمية جديدة، وليس في ذلك حديث يعتمد‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏2- 3‏]‏

‏{‏ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ‏(‏2‏)‏ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ‏(‏3‏)‏‏}‏

افتتاح كلام، فيتعيّن أن ‏{‏ذِكْرُ‏}‏ خبر مبتدأ محذوف، مثلُه شائع الحذف في أمثال هذا من العناوين‏.‏ والتقدير‏:‏ هذا ذكر رحمة ربّك عبده‏.‏ وهو بمعنى‏:‏ اذكر‏.‏ ويجوز أن يكون ‏{‏ذِكْرُ‏}‏ أصله مفعولاً مطلقاً نائباً عن عامله بمعنى الأمر، أي اذكر ذكراً، ثمّ حول عن النصب إلى الرفع للدلالة على الثبات كما حُول في قوله ‏{‏الحمد لله‏}‏ وقد تقدم في ‏[‏سورة الفاتحة‏:‏ 2‏]‏‏.‏ ويرجحه عطف ‏{‏واذكر في الكتاب مريم‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 16‏]‏ ونظائرِه‏.‏

وقد جاء نظم هذا الكلام على طريقة بديعة من الإيجاز والعدوللِ عن الأسلوب المتعارف في الإخبار، وأصل الكلام‏:‏ ذكر عبدنا زكرياء إذ نادى ربّه فقال‏:‏ رب الخ‏.‏‏.‏‏.‏ فرحمة ربّك، فكان في تقديم الخبر بأن الله رحمه اهتمام بهذه المنقبة له، والإنباء بأن الله يرحم من التجأ إليه، مع ما في إضافة ‏{‏ربّ إلى ضمير النبيء وإلى ضمير زكرياء من التنويه بهما‏.‏

وافتتحت قصة مريم وعيسى بما يتصل بها من شؤون آل بيت مريم وكافلها لأنّ في تلك الأحوال كلها تذكيراً برحمة الله تعالى وكرامته لأوليائه‏.‏

وزكرياء نبي من أنبياء بني إسرائيل، وهو زكرياء الثاني زوج خالة مريم، وليس له كتاب في أسفار التوراة‏.‏ وأما الذي له كتاب فهو زكرياء بن برخيا الذي كان موجوداً في القرن السادس قبل المسيح‏.‏ وقد مضت ترجمة زكرياء الثاني في سورة آل عمران ومضت قصّة دعائه هنالك‏.‏

و إذ نادى ربه‏}‏ ظرف ل ‏{‏رحمتِ‏}‏‏.‏ أي رحمة الله إياه في ذلك الوقت، أو بدل من ‏{‏ذكر،‏}‏ أي اذكر ذلك الوقت‏.‏

والنداء‏:‏ أصله رفع الصوت بطلب الإقبال‏.‏ وتقدم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان‏}‏ في سورة آل عمران ‏(‏193‏)‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها‏}‏ في ‏[‏سورة الأعراف‏:‏ 43‏]‏‏.‏ ويطلق النداء كثيراً على الكلام الذي فيه طلب إقبال الذات لعمل أو إقبال الذهن لوعي كلام، فلذلك سميت الحروف التي يفتتح بها طلب الإقبال حروف النداء‏.‏ ويطلق على الدعاء بطلب حاجة وإن لم يكن فيه نداء لأن شأن الدعاء في المتعارف أن يكون جهراً‏.‏ أي تضرعاً لأنه أوقع في نفس المدعو‏.‏ ومعنى الكلام‏:‏ أن زكرياء قال‏:‏ يا رب، بصوت خفي‏.‏

وإنما كان خفياً لأن زكرياء رأى أنه أدخل في الإخلاص مع رجائه أنّ الله يجيب دعوته لئلا تكون استجابته مما يتحدث به الناس، فلذلك لم يدعه تضرعاً وإن كان التضرع أعون على صدق التوجه غالباً، فلعل يقين زكرياء كاف في تقوية التوجه، فاختار لدعائه السلامة من مخالطة الرياء‏.‏ ولا منافاة بين كونه نداء وكونه خفياً، لأنه نداء من يسمع الخفاء‏.‏

والمراد بالرحمة‏:‏ استجابة دعائه، كما سيصرح به بقوله‏:‏ ‏{‏يا زكرياء إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 7‏]‏‏.‏ وإنما حكي في الآية وصف دعاء زكرياء كما وقع فليس فيها إشعار بالثناء على إخفاء الدعاء‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏4- 6‏]‏

‏{‏قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ‏(‏4‏)‏ وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ‏(‏5‏)‏ يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ‏(‏6‏)‏‏}‏

جملة ‏{‏قَالَ ربّ إنِّي وهَنَ العَظمُ مِني‏}‏ مبنية لجملة ‏{‏نادى ربه‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 3‏]‏‏.‏ وهي وما بعدها تمهيد للمقصود من الدعاء وهو قوله‏:‏ ‏{‏فَهَب لِي مِن لَّدُنكَ ولِيّاً‏}‏‏.‏ وإنّما كان ذلك تمهيداً لما يتضمنه من اضطراره لسؤال الولد‏.‏ والله يجيب المضطر إذا دعاه، فليس سؤاله الولدَ سؤال توسع لمجرد تمتع أو فخر‏.‏

ووصَف من حاله ما تشتد معه الحاجة إلى الولد حالاً ومئالاً، فكان وهن العظم وعموم الشيب حالاً مقتضياً للاستعانة بالولد مع ما يقتضيه من اقتراب إبان الموت عادة، فذلك مقصود لنفسه ووسيلة لغيره وهو الميراث بعد الموت‏.‏ والخبران من قوله‏:‏ ‏{‏وهن العظم مني واشتعل الرأس شيباً‏}‏ مستعملان مجازاً في لازم الإخبار، وهو الاسترحام لحاله‏.‏ لأن المخبَر بفتح الباء عالم بما تضمنه الخبران‏.‏

والوهن‏:‏ الضعف‏.‏ وإسناده إلى العظم دون غيره مما شمله الوهن في جسده لأنه أوجز في الدلالة على عموم الوهن جميع بدنه لأنّ العظم هو قوام البدن وهو أصلب شيء فيه فلا يبلغه الوهن إلاّ وقد بلغ ما فوقه‏.‏

والتعريف في ‏(‏العظَمُ‏)‏ تعريف الجنس دال على عموم العظام منه‏.‏

وشبّه عموم الشّيب شعرَ رأسه أو غلَبَته عليه باشتعال النار في الفحم بجامع انتشار شيء لامع في جسم أسود، تشبيهاً مركباً تمثيلياً قابلاً لاعتبار التفريق في التشبيه، وهو أبدع أنواع المركب‏.‏ فشبه الشعر الأسود بفحم والشعر الأبيض بنار على طريق التمثيلية المكنية ورمز إلى الأمرين بفعل ‏{‏اشتَعَل‏}‏‏.‏

وأسند الاشتعال إلى الرأس، وهو مكان الشعر الذي عمّه الشيب، لأنّ الرأس لا يعمه الشيب إلاّ بعد أن يعمّ اللّحية غالباً، فعموم الشيب في الرأس أمارة التوغل في كبر السن‏.‏

وإسناد الاشتعال إلى الرأس مجاز عقلي، لأنّ الاشتعال من صفات النار المشبه بها الشيب فكان الظاهر إسناده إلى الشيب، فلما جيء باسم الشيب تمييزاً لنسبة الاشتعال حصل بذلك خصوصية المجاز وغرابته، وخصوصية التفصيل بعد الإجمال، مع إفادة تنكير ‏{‏شَيباً‏}‏ من التعظيم فحصل إيجاز بديع‏.‏ وأصل النظم المعتاد‏:‏ واشتعل الشيب في شعر الرأس‏.‏

ولِما في هذه الجملة من الخصوصيات من مبنى المعاني والبيان كان لها أعظم وقع عند أهل البلاغة نبه عليه صاحب «الكشاف» ووضحه صاحب «المفتاح» فانظُرهما‏.‏

وقد اقتبس معناها أبو بكر بن دريد في قوله‏:‏

واشتعل المُبيضّ في مُسودهمثلَ اشتعال النّار في جزل الغضا ***

ولكنّه خليق بأن يكون مضرب قولهم في المثل‏:‏ «ماء ولا كصدّى»‏.‏

والشيب‏:‏ بياض الشعر‏.‏ ويعرض للشعر البياض بسبب نقصان المادة التي تعطي اللون الأصلي للشعر، ونقصانها بسبب كبر السن غالباً، فلذلك كان الشيب علامة على الكبر، وقد يبيضّ الشعر مِنْ مرض‏.‏

وجملة ‏{‏لم أكن بدعائك رب شقياً‏}‏ معترضة بين الجمل التمهيدية، والباء في قوله‏:‏ ‏{‏بدعائك‏}‏ للمصاحبة‏.‏

والشقيّ‏:‏ الذي أصابته الشقوة، وهي ضد السعادة، أي هي الحرمان من المأمول وضلال السّعي‏.‏ وأطلق نفي الشقاوة والمراد حصول ضدها وهو السعادة على طريق الكناية إذ لا واسطة بينهما عرفاً‏.‏

ومثل هذا التركيب جرى في كلامهم مجرى المثل في حصول السعادة من شيء‏.‏ ونظيره قوله تعالى في هذه السورة في قصة إبراهيم‏:‏ ‏{‏عسى ألا أكون بدعاء ربي شقياً‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 48‏]‏ أي عسى أن أكون سعيداً‏.‏ أي مستجاب الدعوة‏.‏ وفي حديث أبي هُريرة عن النبيء صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربّه في شأن الذين يذكرون الله ومن جالسهم «هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم» أي يسعد معهم‏.‏ وقال بعض الشعراء، لم نعرف اسمه وهو إسلامي‏:‏

وكنت جليسَ قعقاع بن شَوْرولا يشقَى بقعقاع جليس ***

أي يسعد به جليسُه‏.‏

والمعنى‏:‏ لم أكن فيما دعوتك من قبل مردود الدعوة منك، أي أنه قد عهد من الله الاستجابة كلما دعاه‏.‏

وهذا تمهيد للإجابة من طريق غير طريق التمهيد الذي في الجمل المصاحبة له بل هو بطريق الحث على استمرار جميل صنع الله معه، وتوسلٌ إليه بما سلف له معه من الاستجابة‏.‏

روي أن محتاجاً سأل حاتماً الطائي أو مَعْنَ بن زائدةَ قائلاً‏:‏ «أنا الذي أحسنت إليّ يوم كذا» فقال‏:‏ «مرحباً بمن تَوسل بنا إلينا»‏.‏

وجملة ‏{‏وإني خفت الموالي من ورائي‏}‏ عطف على جملة ‏{‏واشتعل الرأس شيباً،‏}‏ أي قاربت الوفاة وخفت الموالي من بعدي‏.‏ وما روي عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وأبي صالح عن النبيء صلى الله عليه وسلم مرسلاً أنه قال‏:‏ ‏"‏ يرحم الله زكرياء ما كان عليه من وراثة ماله ‏"‏ فلعلّه خشي سوء معرفتهم بما يخلّفه من الآثار الدينية والعلمية‏.‏ وتلك أعلاق يعزّ على المؤمن تلاشيها، ولذلك قال‏:‏ ‏{‏يرثني ويرث من آل يعقوب‏}‏ فإن نُفوس الأنبياء لا تطمح إلا لمعالي الأمور ومصالح الدين وما سوى ذلك فهو تبع‏.‏

فقوله ‏{‏يَرِثُني‏}‏ يعني به وراثة ماله‏.‏ ويؤيّده ما أخرجه عبد الرزاق عن قتادة عن الحسن أن النبيء صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ يرحم الله زكرياء ما كان عليه من وراثة ماله ‏"‏

والظواهر تؤذن بأن الأنبياء كانوا يُورَثون، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وورث سليمان داوود‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 16‏]‏‏.‏ وأما قول النبيء صلى الله عليه وسلم ‏"‏ نحن معشر الأنبياء لا نورث ما تركْنَا صدقةٌ ‏"‏ فإنما يريد به رسول الله نفسَه، كما حمله عليه عُمر في حديثه مع العبّاس وعليّ في «صحيح البخاري» إذ قال عمر‏:‏ «يريد رسول الله بذلك نفسه»، فيكون ذلك من خصوصيات محمد صلى الله عليه وسلم فإن كان ذلك حكماً سابقاً كان مراد زكرياء إرث آثار النبوءة خاصة من الكتب المقدّسة وتقاييده عليها‏.‏

والموالي‏:‏ العصبة وأقرب القرابة، جمع مولى بمعنى الولي‏.‏

ومعنى‏:‏ ‏{‏من ورائي‏}‏ من بعدي، فإن الوراء يطلق ويراد به ما بعد الشيء، كما قال النّابغة‏:‏

وليس وراء الله للمرء مطلب ***

أي بعد الله‏.‏ فمعنى ‏{‏من ورائي‏}‏ من بعد حياتي‏.‏

و ‏{‏من ورائي‏}‏ في موضع الصفة ل ‏{‏الموالي‏}‏ أو الحال‏.‏

وامرأة زكرياء اسمها أليصابات من نسل هارون أخي موسى فهي من سبط لاوي‏.‏

والعاقر‏:‏ الأنثى التي لا تلد، فهو وصف خاص بالمرأة، ولذلك جرد من علامة التأنيث إذ لا لبس‏.‏ ومصدره‏:‏ العُقر بفتح العين وضمها مع سكون القاف‏.‏ وأتى بفعل ‏(‏كان‏)‏ للدلالة على أن العقر متمكن منها وثابت لها فلذلك حرم من الولد منها‏.‏

ومعنى ‏{‏مِنْ لَدنكَ‏}‏ أنه من عند الله عندية خاصة، لأنّ المتكلّم يعلم أنّ كلّ شيء من عند الله بتقديره وخلقه الأسْباب ومسبباتها تبعاً لخلقها، فلما قال ‏{‏من لدنك‏}‏ دلّ على أنه سأل ولياً غير جارٍ أمره على المعتاد من إيجاد الأولاد لانعدام الأسباب المعتادة، فتكون هبته كرامة له‏.‏

ويتعلّق ‏{‏لِي‏}‏ و‏{‏مِن لَّدُنكَ‏}‏ بفعل ‏{‏هَبْ‏}‏‏.‏ وإنما قدم ‏{‏لِي‏}‏ على ‏{‏مِن لدُنكَ‏}‏ لأنه الأهم في غرض الداعي، وهو غرض خاص يقدم على الغرض العام‏.‏

و ‏{‏يَرِثُني‏}‏ قرأه الجمهور بالرفع على الصفة ل ‏{‏وَلِيَّا‏}‏‏.‏ وقرأه أبو عمرو، والكسائي بالجزم على أنه جواب الدعاء في قوله ‏{‏هَبْ لِي‏}‏ لإرادة التسبب لأن أصل الأجوبة الثمانية أنها على تقدير فاء السببية‏.‏

و ‏{‏ءَال يَعْقُوبَ‏}‏ يجوز أن يراد بهم خاصة بني إسرائيل كما يقتضيه لفظ ‏{‏آل المشعر بالفضيلة والشرف، فيكون يعقوب هو إسرائيل؛ كأنه قال‏:‏ ويرث من آل إسرائيل، أي حملة الشريعة وأحْبار اليهودية كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 54‏]‏، وإنما يذكر آل الرجل في مثل هذا السياق إذا كانوا على سننه، ومن هذا القبيل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 68‏]‏ وقولِه‏:‏ ‏{‏ذرية من حملنا مع نوح‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 3‏]‏، مع أن الناس كلهم ذرية من حملوا معه‏.‏

ويجوز أن يراد يعقوب آخر غير إسرائيل‏.‏ وهو يعقوب بن ماثان، قاله‏:‏ معقل والكلبي، وهو عمّ مريم أخو عمران أبيها، وقيل‏:‏ هو أخو زكرياء، أي ليس له أولاد فيكون ابنُ زكرياء وارثاً ليعقوب لأنه ابن أخيه، فيعقوب على هذه هو من جملة الموالي الذين خافهم زكرياء من ورائه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏7- 8‏]‏

‏{‏يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ‏(‏7‏)‏ قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ‏(‏8‏)‏‏}‏

مقول قول محذوف دلّ عليه السياق عقب الدعاء إيجازاً، أي قلنا يا زكرياء إلخ‏.‏‏.‏‏.‏

والتبشير‏:‏ الوعد بالعطاء‏.‏ وفي الحديث‏:‏ «أنّه قال للأنصَار فأبشروا وأمّلوا»، وفي حديث وفد بني تميم‏:‏ «اقبَلوا البشرى، فقالوا بشرتَنا فأعطنا»‏.‏

ومعنى ‏{‏اسْمُهُ يَحْيَى‏}‏ سَمّهِ يحيى، فالكلام خبر مستعمل في الأمر‏.‏

والسميّ فسروه بالموافق في الاسم، أي لم نجعل له من يوافقه في هذا الاسم من قبل وجوده‏.‏ فعليه يكون هذا الإخبار سراً من الله أودعه زكرياء فلا يظن أنه قد يُسمّي أحد ابنَه يحيى فيما بين هذه البشارة وبين ازدياد الولد‏.‏ وهذه منّة من الله وإكرام لزكرياء إذ جعل اسم ابنه مبتكراً، وللأسماء المبتكرة مزيّة قوّة تعريف المسمى لقلّة الاشتراك، إذ لا يكون مثله كثيراً مدّة وجوده، وله مزية اقتداء الناس به من بعد حين يسمون أبناءهم ذلك الاسم تيمّناً واستجادة‏.‏

وعندي‏:‏ أن السّمِيّ هنا هو الموافق في الاسم الوصفي بإطلاق الاسم على الوصف، فإن الاسم أصله في الاشتقاق ‏(‏وسَم‏)‏، والسمة‏:‏ أصلها وسمة، كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ليسمُّون الملائكَة تسمية الأنثى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 27‏]‏، أي يصفونهم أنهم إناث، ومنه قوله الآتي‏:‏ ‏{‏هل تعلم له سمياً‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 65‏]‏ أي لا مثيل لله تعالى في أسمائه‏.‏ وهذا أظهر في الثناء على يحيى والامتنان على أبيه‏.‏ والمعنى‏:‏ أنه لم يجئ قبل يحيى من الأنبياء من اجتمع له ما اجتمع ليحيى فإنه أعطي النبوءة وهو صبيّ، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وآتيناه الحكم صبياً‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 12‏]‏، وجعل حصوراً ليكون غير مشقوق عليه في عصمته عن الحرام، ولئلا تكون له مشقة في الجمع بين حقوق العبادة وحقوق الزوجة، وولد لأبيه بعد الشيخوخة ولأمّه بعد العَقر، وبُعث مبشراً برسالة عيسى عليه السلام، ولم يكن هو رسولاً، وجعل اسمه العلم مبتكراً غير سابق من قبله‏.‏ وهذه مزايا وفضائل وهبت له ولأبيه، وهي لا تقتضي أنه أفضل الأنبياء لأنّ الأفضلية تكون بمجموع فضائل لا ببعضها وإن جلّت، ولذلك قيل «المزيّة لا تقتضي الأفضليّة» وهي كلمة صدق‏.‏

وجملة ‏{‏قَالَ رَبّ‏}‏ جواب للبشارة‏.‏

و ‏{‏أنى‏}‏ استفهام مستعمل في التعجب، والتعجب مكنى به عن الشكر، فهو اعتراف بأنها عطية عزيزة غير مألوفة لأنّه لا يجوز أن يسأل الله أن يهب له ولداً ثمّ يتعجب من استجابة الله له‏.‏ ويجوز أن يكون قد ظن الله يهب له ولداً من امرأة أخرى بأن يأذنه بتزوج امرأة غير عاقر، وتقدّم القول في نظير هذه الآية في سورة آل عمران‏.‏

وجملة ‏{‏امرأتي عاقراً‏}‏ حال من ياء التكلّم‏.‏ وكرّر ذلك مع قوله في دعائه ‏{‏وكَانَتتِ امرأتي عاقِراً‏}‏‏.‏ وهو يقتضي أنّ زكرياء كان يظن أن عدم الولادة بسبب عقر امرأته، وكان الناس يحسبون ذلك إذا لم يكن بالرجل عُنّةٌ ولا خصاء ولا اعتراض، لأنهم يحسبون الإنعَاظ والإنزال هما سبب الحمل إن لم تكن بالمرأة عاهة العُقر‏.‏

وهذا خطأ فإن عدم الولادة يكون إمّا لعلّة بالمرأة في رحمها أو لعلة في ماء الرجل يكون غير صالح لنماء البويضات التي تبرزها رحم المرأة‏.‏

و ‏{‏من‏}‏ في قوله ‏{‏من الكبر عُتِيّاً‏}‏ للابتداء، وهو مجاز في معنى التعليل‏.‏

والكِبر‏:‏ كثرة سني العمر، لأنه يقارنه ظهور قلّة النشاط واختلال نظام الجسم‏.‏

و ‏{‏عُتِيّاً‏}‏ مفعول ‏{‏بَلَغْتُ‏}‏‏.‏

والبلوغ‏:‏ مجاز في حلول الإبان، وجعل نفسه هنا بالغاً الكبر وفي آية آل عمران ‏(‏40‏)‏ قال‏:‏ ‏{‏وقد بلغني الكبر‏}‏ لأن البلوغ لما كان مجازاً في حصول الوصف صح أن يسند إلى الوصف وإلى الموصوف‏.‏

والعُتيّ بضم العين في قراءة الجمهور مصدر عتا العود إذا يبس، وهو بوزن فعول أصله عُتُووٌ، والقياس فيه أن تصحح الواو لأنها إثر ضمّة ولكنهم لما استثقلوا توالي ضمتين بعدهما واوان وهما بمنزلة ضمتين تخلصوا من ذلك الثقل بإبدال ضمّة العين كسرة ثم قلبوا الواو الأولى ياء لوقوعها ساكنة إثْرَ كسرة فلما قلبت ياءً اجتمعت تلك الياء مع الواو التي هي لام، وكأنهم ما كسروا التاء في عتي بمعنى اليبس إلاّ لدفع الالتباس بينه وبين العُتوّ الذي هو الطغيان فلا موجب لطلب تخفيف أحدهما دون الآخر‏.‏

شبه عظامه بالأعواد اليابسة على طريقة المكنية، وإثباتُ وصف العُتي لها استعارة تخييلية‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏9‏]‏

‏{‏قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ‏(‏9‏)‏‏}‏

فصلت جملة ‏{‏قَالَ كذلك‏}‏ لأنها جرت على طريقة المحاورة‏.‏ وهي جواب عن تعجبه‏.‏ والمقصود منه إبطال التعجب الذي في قوله‏:‏ ‏{‏وكانَتِ امرأتي عاقِراً وقد بلغتُ مِن الكِبَر عُتِياً‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 8‏]‏‏.‏ فضمير ‏{‏قَالَ‏}‏ عائد إلى الرب من قوله ‏{‏قَالَ رَبّ أنَّى يكونُ لي غُلامٌ‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 8‏]‏‏.‏

والإشارة في قوله ‏{‏كذلك‏}‏ إلى قول زكرياء ‏{‏وكانت امرأتي عاقِراً وقَد بلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عُتِيّاً‏}‏‏.‏ والجار والمجرور مفعول لفعل ‏{‏قَالَ رَبُّكَ‏}‏، أي كذلك الحال من كبرك وعقر امرأتك قدّر ربُّك، ففعلُ ‏{‏قَالَ رَبُّكَ‏}‏ مرادٌ به القول التكويني، أي التقديري، أي تعلّق الإرادة والقدرة‏.‏ والمقصود من تقريره التمهيد لإبطال التعجب الدال عليه قوله ‏{‏عَلَيَّ هَيِنٌ‏}‏، فجملة ‏{‏هُوَ عليَّ هَيِنٌ‏}‏ استئناف بياني جواباً لسؤال ناشئ عن قوله ‏{‏كَذَلِكَ‏}‏ لأنّ تقرير منشأ التعجب يثير ترقب السامع أن يعرف ما يُبطل ذلك التعجب المقرّر، وذلك كونه هيّناً في جانب قدرة الله تعالى العظيمة‏.‏

ويجوز أن يكون المشار إليه بقوله ‏{‏كَذلِكَ‏}‏ هو القول المأخوذ من ‏{‏قَالَ رَبُّكَ‏}‏، أي أن قولَ ربّك ‏{‏هُوَ عليَّ هَيّنٌ‏}‏ بلغ غاية الوضوح في بابه بحيث لا يبين بأكثر ما علمت، فيكون جارياً على طريقة التشبيه كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكذلك جعلناكم أمة وسطا‏}‏ وقد تقدم في سورة البقرة ‏(‏143‏)‏‏.‏ وعلى هذا الاحتمال فجملة هُوَ عليَّ هَينٌ‏}‏ تعليل لإبطال التعجب إبطالاً مستفاداً من قوله ‏{‏كذلك قال ربّك‏}‏، ويكون الانتقال من الغيبة في قوله ‏{‏قَالَ ربّك‏}‏ إلى التكلم في قوله ‏{‏هُوَ عليَّ هَيّنٌ‏}‏ التفاتاً‏.‏ ومقتضى الظاهر‏:‏ هو عليه هيّن‏.‏

والهيّن بتشديد الياء‏:‏ السهل حصوله‏.‏

وجملة ‏{‏وقَدْ خَلقتُكَ من قَبْلُ‏}‏ على الاحتمالين هي في موضع الحال من ضمير الغيبة الذي في قوله ‏{‏هُوَ على هَيِنٌ‏}‏، أي إيجاد الغلام لك هيّن عليّ في حال كوني قد خلقتُك من قبل هذا الغلام ولم تكن موجوداً، أي في حال كونه مماثلاً لخلقي إياك، فكما لا عجب من خلق الولد في الأحوال المألوفة كذلك لا عجب من خلق الولد في الأحوال النادرة إذ هما إيجاد بعد عدم‏.‏

ومعنى ‏{‏ولَمْ تَكُ شَيْئاً‏}‏‏:‏ لم تكن موجوداً‏.‏

وقرأ الجمهور ‏{‏وقَدْ خَلَقْتُكَ‏}‏ بتاء المتكلّم‏.‏

وقرأه حمزة، والكسائي، وخلف‏:‏ ‏(‏وقد خلقناك‏)‏ بنون العظمة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏10‏]‏

‏{‏قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا ‏(‏10‏)‏‏}‏

أراد نصب علامة على وقوع الحمل بالغلام، لأنّ البشارة لم تعيّن زمناً، وقد يتأخر الموعود به لحكمة، فأراد زكرياء أن يعلم وقت الموعود به‏.‏ وفي هذا الاستعجال تعريض بطلب المبادرة به، ولذلك حذف متعلّق ‏{‏ءَايَةً‏}‏‏.‏ وإضافة ‏{‏ءَايَتُكَ‏}‏ على معنى اللاّم، أي آية لك، أي جعلنا علامة لك‏.‏

ومعنى ‏{‏ألاَّ تُكَلِّم النَّاسَ‏}‏ أن لا تقدر على الكلام، لأنّ ذلك هو المناسب لكونه آية من قِبَل الله تعالى‏.‏ وليس المراد نهيَه عن كلام الناس، إذ لا مناسبة في ذلك للكون آية‏.‏ وقد قدمنا تحقيق ذلك في سورة آل عمران‏.‏

وجعلت مدة انتفاء تكليمه الناس هنا ثلاث ليال، وجعلت في سورة آل عمران ثلاثة أيام فعلم أنّ المراد هنا ليال بأيامها وأنّ المراد في آل عمران أيام بلياليها‏.‏

وأُكد ذلك هنا بوصفها ب ‏{‏سَوِيّاً‏}‏ أي ثلاث ليال كاملة، أي بأيامها‏.‏

وسويّ‏:‏ فعيل بمعنى مفعول، يستوي الوصف به الواحد والواحدة والمتعدد منهما‏.‏

وفسر أيضاً ‏{‏سَوِيّاً‏}‏ بأنه حال من ضمير المخاطب، أي حال كونك سوياً، أي بدون عاهة الخَرَس والبكَم، ولكنّها آية لك اقتضتها الحكمة التي بيّناها في سورة آل عمران‏.‏ وعلى هذا فذكر الوصف لمجرد تأكيد الطمأنينة، وإلا فإن تأجيله بثلاث ليال كاف في الاطمئنان على انتفاء العاهة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏11‏]‏

‏{‏فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ‏(‏11‏)‏‏}‏

الظاهر أن المعنى أنه خرج على قومه ليصلي على عادته، فكان في محرابه في صلاة خاصة ودعاء خفي، ثم خرج لصلاة الجماعة إذ هو الحبر الأعظم لهم‏.‏

وضمنخرج معنى طلع فعدي بعلى كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فخرج على قومه في زينته‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 79‏]‏‏.‏

والمحراب‏:‏ بيت أو محتجر يُخصص للعبادة الخاصة‏.‏ قال الحريري‏:‏ فمحرَابيَ أحْرَى بي‏.‏

والوحي‏:‏ الإشارة بالعين أو بغيرها، والإيماء لإفادة معنى شأنُه أن يفاد بالكلام‏.‏

و ‏(‏أن‏)‏ تفسيرية‏.‏ وجملة ‏{‏سبّحوا بكرة وعشِيّاً‏}‏ تفسير ‏(‏لأَوْحى‏)‏، لأن ‏(‏أوحى‏)‏ فيه معنى القول دون حروفه‏.‏

وإنما أمرهم بالتسبيح لئلا يحسبوا أن زكرياء لما لم يكلمهم قد نذر صمتاً فيقتدوا به فيصمتوا، وكان الصمت من صنوف العبادة في الأمم السالفة، كما سيأتي في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فقولي إني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسياً‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 26‏]‏‏.‏ فأومأ إليهم أن يشرعوا فيما اعتادوه من التسبيح؛ أو أراد أن يسبحوا الله تسبيح شكر على أن وهب نبيئهم ابناً يرث علمه، ولعلهم كانوا علموا ترقبه استجابه دعوته، أو أنه أمرهم بذلك أمراً مبهماً يفسره عندما تزول حبْسة لسانه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏12- 14‏]‏

‏{‏يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ‏(‏12‏)‏ وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا ‏(‏13‏)‏ وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا ‏(‏14‏)‏‏}‏

مقول قول محذوف، بقرينة أن هذا الكلام خطاب ليحيى، فلا محالة أنه صادر من قائل، ولا يناسب إلاّ أن يكون قولاً من الله تعالى، وهو انتقال من البشارة به إلى نبوءته‏.‏ والأظهر أنّ هذا من إخبار القرآن للأمة لا من حكاية ما قيل لزكرياء‏.‏ فهذا ابتداء ذكر فضائل يحيى‏.‏

وطوي ما بين ذلك لعدم تعلق الغرض به‏.‏ والسياق يدلّ عليه‏.‏ والتقدير‏:‏ قلنا يا يحيى خذ الكتاب‏.‏

والكتاب‏:‏ التوراة لا محالة، إذ لم يكن ليحيى كتاب منزّل عليه‏.‏

والأخذ‏:‏ مستعار للتفهم والتدبر، كما يقال‏:‏ أخذت العلم عن فلان، لأنّ المعتني بالشيء يشبه الآخذ‏.‏

والقوة‏:‏ المراد بها قوّة معنوية، وهي العزيمة والثّبات‏.‏

والباء للملابسة، أي أخذا ملابساً للثبات على الكتاب، أي على العمل به وحَمْل الأمّة على اتباعه، فقد أخذ الوهن يتطرق إلى الأمة اليهودية في العمل بدينها‏.‏

و ‏{‏ءَاتيناه‏}‏ عطف على جملة القول المحذوفة، أي قلنا‏:‏ يا يحيى خذ الكتاب وآتيناه الحكم‏.‏

والحُكم‏:‏ اسم للحكمة‏.‏ وقد تقدم معناها في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏269‏)‏‏.‏ والمراد بها النّبوءة، كما تقدم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولما بلغ أشده آتيناه حكماً وعلماً‏}‏ في سورة يوسف ‏(‏22‏)‏، فيكون هذا خصوصية ليحيى أن أوتي النبوءة في حال صباه‏.‏ وقيل‏:‏ الحكم هو الحكمة والفهم‏.‏

و صَبِيّاً‏}‏ حال من الضمير المنصوب في ‏{‏وءاتيناه‏}‏‏.‏ وهذا يقتضي أن الله أعطاه استقامة الفكر وإدراك الحقائق في حال الصبا على غير المعتاد، كما أعطى نبيئه محمداً صلى الله عليه وسلم الاستقامة وإصابة الرأي في صباه‏.‏ ويبعد أن يكون يحيى أُعطي النبوءة وهو صبي، لأن النبوءة رتبة عظيمة فإنما تعطى عند بلوغ الأشُدّ‏.‏ واتفق العلماء على أن يحيى أعطِي النبوءة قبل بلوغ الأربعين سنة بكثير‏.‏ ولعل الله لما أراد أن يكون شهيداً في مقتبل عمره باكره بالنبوءة‏.‏

والحَنان‏:‏ الشفقة‏.‏ ومن صفات الله تعالى الحنان‏.‏ ومن كلام العرب‏:‏ حنانيك، أي حناناً منك بعد حنان‏.‏ وجُعل حنان يحيى من لَدن الله إشارة إلى أنه متجاوز المعتاد بين الناس‏.‏

والزكاة‏:‏ زكاة النفس ونقاؤها من الخبائث، كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فقل هل لك إلى أن تزكى‏}‏ ‏[‏النازعات‏:‏ 18‏]‏ أو أُريد بها البركة‏.‏

وتقي‏:‏ فعيل بمعنى مُفعل، من اتّقى إذا اتّصف بالتقوى، وهي تجنب ما يخالف الدّين‏.‏ وجيء في وصفه بالتقوى بفعل ‏{‏كَانَ تَقِيّاً‏}‏ للدلالة على تمكنه من الوصف‏.‏

وكذلك عطف بروره بوالديه على كونه تقياً للدلالة على تمكنه من هذا الوصف‏.‏

والبرور‏:‏ الإكرام والسعي في الطاعة‏.‏ والبَرّ بفتح الباء وصف على وزن المصدر، فالوصف به مبالغة‏.‏ وأما البِر بكسر الباء فهو اسم مصدر لعدم جريه على القياس‏.‏

والجبّار‏:‏ المستخف بحقوق الناس، كأنه مشتق من الجبر، وهو القسر والغصب‏.‏ لأنّه يغصب حقوق النّاس‏.‏

والعصيّ‏:‏ فعيل من أمثلة المبالغة، أي شديد العصيان، والمبالغة منصرفة إلى النفي لا إلى المنفيّ‏.‏ أي لم يكن عاصياً بالمرة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏15‏]‏

‏{‏وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ‏(‏15‏)‏‏}‏

الأظهر أنه عطف على ‏{‏وءاتيناه الحكم صبياً‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 12‏]‏ مخاطباً به المسلمون ليعلموا كرامة يحيى عند الله‏.‏

والسّلام‏:‏ اسم للكلام الذي يفاتح به الزائر والراحل فيه ثناء أو دعاء‏.‏ وسمي ذلك سلاماً لأنه يشتمل على الدعاء بالسلامة ولأنه يؤذن بأن الذي أقدم هو عليه مسالم له لا يخشى منه بأساً‏.‏ فالمراد هنا سلام من الله عليه، وهو ثناء الله عليه، كقوله ‏{‏سلام قولاً من رب رحيم‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 58‏]‏‏.‏ فإذا عرّف السلام باللام فالمراد به مثل المراد بالمنكّر أو مراد به العهد، أي سلام إليه، كما سيأتي في السلام على عيسى‏.‏ فالمعنى‏:‏ أن إكرام الله متمكن من أحواله الثلاثة المذكورة‏.‏

وهذه الأحوال الثلاثة المذكورة هنا أحوال ابتداءِ أطوار‏:‏ طور الورود على الدنيا، وطور الارتحال عنها، وطور الورود على الآخرة‏.‏ وهذا كناية على أنه بمحل العناية الإلهية في هذه الأحوال‏.‏

والمراد باليوم مطلق الزمان الواقع فيه تلك الأحوال‏.‏

وجيء بالفعل المضارع في ‏{‏ويوم يموت‏}‏ لاستحضار الحالة التي مات فيها، ولم تذكر قصة قتله في القرآن إلاّ إجمالاً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏16- 21‏]‏

‏{‏وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا ‏(‏16‏)‏ فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا ‏(‏17‏)‏ قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ‏(‏18‏)‏ قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا ‏(‏19‏)‏ قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ‏(‏20‏)‏ قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا ‏(‏21‏)‏‏}‏

جملة ‏{‏واذكر في الكتاب مريم‏}‏ عطف على جملة ‏{‏ذِكْرُ رحمتتِ ربِّكَ‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 2‏]‏ عطف القصة على القصة فلا يراعى حُسن اتّحاد الجملتين في الخبرية والإنشائية، على أن ذلك الاتحاد ليس بملتزم‏.‏ على أنك علمت أن الأحسن أن يكون قوله ‏{‏ذكر رحمة ربك عبده زكريا‏}‏ مصدراً وقع بدلاً من فعله‏.‏

والمراد بالذكر‏:‏ التّلاوة، أي اتل خبر مريم الذي نقصّه عليك‏.‏

وفي افتتاح القصة بهذا زيادة اهتمام بها وتشويق للسامع أن يتعرفها ويتدبرها‏.‏

والكتاب‏:‏ القرآن، لأنّ هذه القصة من جملة القرآن‏.‏ وقد اختصت هذه السورة بزيادة كلمة ‏{‏في الكتاب‏}‏ بعد كلمة ‏{‏واذكر‏}‏‏.‏ وفائدة ذلك التنبيه إلى أن ذكر من أمر بذكرهم كائن بآيات القرآن وليس مجرد ذكر فضله في كلام آخر من قول النبي صلى الله عليه وسلم كقوله‏:‏ ‏"‏ لو لبثت ما لبث يوسف في السجن لأجبت الداعي ‏"‏

ولم يأت مثل هذه الجملة في سورة أخرى لأنه قد حصل علم المراد في هذه السورة فعلم أنه المراد في بقية الآيات التي جاء فيها لفظ ‏{‏اذكر‏}‏‏.‏ ولعل سورة مريم هي أول سورة أتى فيها لفظ ‏{‏واذكرْ‏}‏ في قصص الأنبياء فإنها السورة الرابعة والأربعون في عدد نزول السور‏.‏

و ‏{‏إذ ظرف متعلق باذكر‏}‏ باعتبار تضمنه معنى القصة والخبر، وليس متعلقاً به في ظاهر معناه لعدم صحة المعنى‏.‏

ويجوز أن يكون ‏(‏إذ‏)‏ مجرد اسم زمان غير ظرف ويجعل بدلاً من ‏(‏مريم‏)‏، أي اذكر زمن انتباذها مكاناً شرقياً‏.‏ وقد تقدم مثله في قوله ‏{‏ذكر رحمة ربك عبده زكريا إذ نادى ربه‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 2، 3‏]‏‏.‏

والانتباذ‏:‏ الانفراد والاعتزال، لأن النبذ‏:‏ الإبعاد والطرح، فالانتباذ في الأصل افتعال مطاوع نبذه، ثم أطلق على الفعل الحاصل بدون سبق فاعل له‏.‏

وانتصب ‏{‏مكاناً‏}‏ على أنه مفعول ‏{‏انتبذت‏}‏ لتضمنه معنى حلت‏.‏ ويجوز نصبه على الظرفية لما فيه من الإبهام‏.‏ والمعنى‏:‏ ابتعدت عن أهلها في مكان شرقي‏.‏

ونُكر المكان إبهاماً له لعدم تعلُّق الغرض بتعيين نوعه إذ لا يفيد كمالاً في المقصود من القصة‏.‏ وأما التصدّي لوصفه بأنه شرقي فللتنبيه على أصل اتخاذ النصارى الشرقَ قبلة لصلواتهم إذ كان حمل مريم بعيسى في مكان من جهة مشرق الشمس‏.‏ كما قال ابن عباس‏:‏ «إني لأعلم خلققِ الله لأي شيء اتّخذت النصارى الشرقَ قبلة لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏مكاناً شرقِيّاً‏}‏»، أي أن ذلك الاستقبال ليس بأمر من الله تعالى‏.‏ فذكر كون المكان شرقياً نكتة بديعة من تاريخ الشرائع مع ما فيه من مؤاخاة الفواصل‏.‏

واتخاذ الحجاب‏:‏ جعل شيء يَحجب عن الناس‏.‏ قيل‏:‏ إنها احتجبت لتغتسل وقيل لتمتشط‏.‏

والروح‏:‏ الملك، لأن تعليق الإرسال به وإضافته إلى ضمير الجلالة دلاَّ على أنه من الملائكة وقد تمثل لها بشراً‏.‏

والتمثل‏:‏ تكلف المماثلة، أي أن ذلك الشكل ليس شكل الملك بالأصالة‏.‏

و ‏{‏بَشَرَاً‏}‏ حال من ضمير ‏(‏تمثل‏)‏، وهو حال على معنى التشبيه البليغ‏.‏

والبشر‏:‏ الإنسان‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏إني خالق بشراً من طين‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 71‏]‏، أي خالق آدم عليه السلام‏.‏

والسويُّ‏:‏ المُسَوّى، أي التام الخلق‏.‏ وإنما تمثل لها كذلك للتناسب بين كمال الحقيقة وكمال الصورة، وللإشارة إلى كمال عصمتها إذ قالت‏:‏ ‏{‏إنِّي أعوذُ بالرحمن مِنكَ إن كُنتَ تقِيَّاً‏}‏، إذ لم يكن في صورته ما يكره لأمثالها، لأنها حسبت أنه بشر اختبأ لها ليراودها عن نفسها، فبادرته بالتعوذ منه قبل أن يكلمها مبادرة بالإنكار على ما توهمته من قصده الذي هو المتبادر من أمثاله في مثل تلك الحالة‏.‏

وجملة ‏{‏إنِّي أعوذُ بالرحمن مِنكَ‏}‏ خبرية، ولذلك أكدت بحرف التأكيد‏.‏ والمعنى‏:‏ أنها أخبرته بأنها جعلت الله معاذاً لها منه، أي جعلت جانب الله ملجأ لها مما هَمّ به‏.‏ وهذه موعظة له‏.‏

وذكرها صفة ‏(‏الرحمان‏)‏ دون غيرها من صفات الله لأنها أرادت أن يرحمها الله بدفع من حسبته داعراً عليها‏.‏

وقولها ‏{‏إن كُنتَ تَقيّاً‏}‏ تذكير له بالموعظة بأن عليه أن يتّقي ربّه‏.‏

ومجيء هذا التذكير بصيغة الشرط المؤذن بالشك في تقواه قصد لتهييج خشيته، وكذلك اجتلاب فعل الكون الدال على كون التّقوى مستقرة فيه‏.‏ وهذا أبلغ وعظٍ وتذكيرٍ وحثّ على العمل بتقواه‏.‏

والقصر في قوله‏:‏ ‏{‏إنَّما أنا رسولُ ربّكِ‏}‏ قصر إضافي، أي لستُ بشراً، رداً على قولها‏:‏ ‏{‏إن كنت تقياً‏}‏ المقتضي اعتقادها أنه بشر‏.‏

وقرأ الجمهور ‏{‏لأَهَبَ‏}‏ بهمزة المتكلم بعد لام العلّة‏.‏ ومعنى إسناد الهبة إلى نفسه مجاز عقلي لأنه سبب هذه الهبة‏.‏ وقرأه أبو عمرو، وورش عن نافع ‏{‏ليهب بياء الغائب، أي ليهب ربّك لك، مع أنها مكتوبة في المصحف بألف‏.‏ وعندي أن قراءة هؤلاء بالياء بعد اللام إنما هي نطق الهمزة المخففة بعد كسر اللام بصورة نطق الياء‏.‏

ومحاورتها الملك محاولة قصدت بها صرفه عما جاء لأجله، لأنها علمت أنّه مرسل من الله فأرادت مراجعة ربّها في أمر لم تطقه، كما راجعه إبراهيم عليه السلام في قوم لوط، وكما راجعه محمد عليه الصلاة والسلام في فرض خمسين صلاة‏.‏ ومعنى المحاورة أن ذلك يجر لها ضرّاً عظيماً إذ هي مخطوبة لرجل ولم يَبْننِ بها فكيف يتلقى الناس منها الإتيان بولد من غير أب معروف‏.‏

وقولها ولم أكُ بغيّاً‏}‏ تبرئة لنفسها من البغاء بما يقتضيه فعل الكون من تمكن الوصف الذي هو خبر الكون، والمقصود منه تأكيد النفي فمفاد قولها ‏{‏ولم أكُ بغيّاً‏}‏ غير مفاد قولها ‏{‏ولم يَمْسَسني بَشَر‏}‏، وهو مما زادت به هذه القصة على ما في قصتها في سورة آل عمران، لأن قصتها في سورة آل عمران نزلت بعد هذه فصح الاجتزاء في القصة بقولها ‏{‏ولم يَمْسَسني بَشَر‏}‏‏.‏

وقولها ‏{‏ولم يَمْسَسني بَشَر‏}‏ أي لم يَبْننِ بي زوج، لأنها كانت مخطوبة ومراكنة ليوسف النجار ولكنه لم يبن بها فإذا حملت بولد اتهمها خطيبها وأهلها بالزنى‏.‏

وأما قولها ‏{‏ولَمْ أكُ بَغِياً‏}‏ فهو نفي لأن تكون بغياً من قبل تلك الساعة، فلا ترضى بأن ترمى بالبغاء بعد ذلك‏.‏ فالكلام كناية عن التنزه عن الوصم بالبغاء بقاعدة الاستصحاب، والمعنى‏:‏ ما كنت بغيّاً فيما مضى أفأعدّ بغياً فيما يستقبل‏.‏

وللمفسرين في هذا المقام حيرة ذكرها الفخر والطيبي، وفيما ذكرنا مخرج من مأزِقها، وليس كلام مريم مسوقاً مساق الاستبعاد مثل قول زكرياء ‏{‏أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقراً‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 8‏]‏ لاختلاف الحالين لأن حال زكرياء حال راغب في حصول الولد، وحال مريم حال متشائم منه متبرئ من حصوله‏.‏

والبغِيّ‏:‏ اسم للمرأة الزانية، ولذلك لم تتصل به هاء التأنيث، ووزنه فعيل أو فعول بمعنى فاعل فيكون أصله بَغوي‏.‏ لأنه من البغي فلما اجتمع الواو والياء وسكن السابق منهما قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء الأصلية وعوض عن ضمة الغين كسرة لمناسبة الياء فصار بغي‏.‏

وجواب المَلَك معناه‏:‏ أن الأمر كما قلت، نظير قوله في قصة زكرياء‏:‏ ‏{‏كذلك قال ربك هو علي هين،‏}‏ وهو عدول عن إبطال مرادها من المراجعة إلى بيان هون هذا الخلق في جانب القدرة على طريقة الأسلوب الحكيم‏.‏

وفي قوله ‏{‏هو علي هين‏}‏ توجيه بأن ما اشتكته من توقع ضدّ قولها وطعنهم في عرضها ليس بأمر عظيم في جانب ما أراد الله من هدي الناس لرسالة عيسى عليه السلام بأن الله تعالى لا يصرفه عن إنفاذ مراده ما عسى أن يعرض من ضر في ذلك لبعض عبيده، لأنّ مراعاة المصالح العامة تقدم على مراعاة المصالح الخاصة‏.‏

فضمير ‏{‏هو علي هين‏}‏ عائد إلى ما تضمنه حوارها من لحاق الضر بها كما فسرنا به قولها ‏{‏ولم يَمْسَسني بَشَر ولم أكُ بَغِياً‏}‏‏.‏ فبين جواب الملك إياها وبين جواب الله زكرياء اختلاف في المعنى‏.‏

والكلام في الموضعين على لسان المَلك من عند الله، ولكنه أسند في قصة زكرياء إلى الله لأن كلام المَلك كان تبليغَ وحي عن الله جواباً من الله عن مناجاة زكرياء، وأسند في هذه القصة إلى الملَك لأنه جواب عن خطابها إياه‏.‏

وقوله ‏{‏ولنجعله‏}‏ عطف على ‏{‏فأرسلنا إليها روحنا‏}‏ باعتبار ما في ذلك من قول الرُّوح لها ‏{‏لأهب لك غلاماً زكياً،‏}‏ أي لأن هبة الغلام الزكي كرامة من الله لها، وجعله آية للناس ورحمة كرامة للغلام، فوقع التفات من طريقة الغيبة إلى طريقة التكلم‏.‏

وجملة ‏{‏وكان أمراً مقضياً‏}‏ يجوز أن تكون من قول الملك، ويجوز أن تكون مستأنفة‏.‏ وضمير ‏{‏كان عائد إلى الوهْب المأخوذ من قوله لأهب لك غلاماً‏}‏‏.‏

وهذا قطع للمراجعة وإنباء بأن التخليق قد حصل في رحمها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏22- 23‏]‏

‏{‏فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا ‏(‏22‏)‏ فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا ‏(‏23‏)‏‏}‏

الفاء للتفريع والتعقيب، أي فحملت بالغلام في فور تلك المراجعة‏.‏

والحمل‏:‏ العلوق، يقال‏:‏ حملت المرأة ولداً، وهو الأصل، قال تعالى‏:‏ ‏{‏حملته أمه كرهاً‏}‏ ‏[‏الأحقاف‏:‏ 15‏]‏‏.‏ ويقال‏:‏ حملت به‏.‏ وكأن الباء لتأكيد اللصوق، مثلها في ‏{‏وامسحوا برؤوسكم‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 6‏]‏‏.‏ قال أبو كبير الهذلي‏:‏

حملت به في ليلة قرءودة *** كرهاً وعقد نطاقها لم يُحلَل

والانتباذ تقدم قريباً، وكذلك انتصاب ‏{‏مكاناً‏}‏ تقدم‏.‏

و ‏{‏قَصِيّاً‏}‏ بعيداً، أي بعيداً عن مكان أهلها‏.‏ قيل‏:‏ خرجت إلى البلاد المصرية فارّة من قومها أن يعزّروها وأعانها خطيبها يوسف النجّار وأنها ولدت عيسى عليه السلام في الأرض المصرية‏.‏ ولا يصح‏.‏

وفي إنجيل لوقا‏:‏ أنها ولدته في قرية بيت لحم من البلاد اليهودية حين صعدت إليها مع خطيبها يوسف النجار إذ كان مطلوباً للحضور بقرية أهله لأن ملك البِلاد يجري إحصاء سكان البلاد، وهو ظاهر قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأتت به قومَها تحمله‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 27‏]‏‏.‏

والفاء في قوله‏:‏ ‏{‏فَأَجَاءَها المَخَاضُ‏}‏ للتعقيب العُرفي، أي جاءها المخاض بعد تمام مدة الحمل، قيل بعد ثمانية أشهر من حملها‏.‏

و ‏{‏أجَاءها معناه ألْجأها، وأصله جاء، عدي بالهمزة فقيل‏:‏ أجاءه، أي جعله جائياً‏.‏ ثم أطلق مجازاً على إلجاء شيء شيئاً إلى شيء، كأنه يجيء به إلى ذلك الشيء، ويضطره إلى المجيء إليه‏.‏ قال الفراء‏:‏ أصله من جئتُ وقد جعلته العرب إلْجاء‏.‏ وفي المثل شرّ ما يُجيئك إلى مُخّة عرْقُوب‏.‏ وقال زهير‏:‏

وجارٍ سارَ معتمداً إلينا *** أجَاءته المخافةُ والرجاء

والمَخاص بفتح الميم‏:‏‏}‏ طَلق الحامل، وهو تحرك الجنين للخروج‏.‏

والجذع بكسر الجيم وسكون الذال المعجمة‏:‏ العود الأصلي للنخلة الذي يتفرع منه الجريد‏.‏ وهو ما بين العروق والأغصان، أي إلى أصل نخلة استندت إليه‏.‏

وجملة ‏{‏قَالَتْ‏}‏ استئناف بياني، لأن السامع يتشوف إلى معرفة حالها عند إبان وضع حملها بعدما كان أمرها مستتراً غير مكشوف بين الناس وقد آن أن ينكشف، فيجاب السامع بأنها تمنت الموت قبل ذلك؛ فهي في حالة من الحزن ترى أن الموت أهون عليها من الوقوع فيها‏.‏

وهذا دليل على مقام صبرها وصدقها في تلقي البلوى التي ابتلاها الله تعالى فلذلك كانت في مقام الصديقية‏.‏

والمشار إليه في قولها ‏{‏قبل هذا‏}‏ هو الحمل‏.‏ أرادتْ أن لا يُتطرق عِرضها بطعن ولا تجرّ على أهلها معرة‏.‏ ولم تتمن أن تكون ماتت بعد بدوّ الحمل لأن الموت حينئذ لا يدفع الطعن في عرضها بعد موتها ولا المعرة على أهلها إذ يشاهد أهلها بطنها بحملها وهي ميتة فتطرقها القالة‏.‏

وقرأ الجمهور ‏{‏مِتّ بكسر الميم للوجه الذي تقدم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم‏}‏ في سورة آل عمران ‏(‏157‏)‏‏.‏ وقرأه ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو، وعاصم، وأبو جعفر بضم الميم على الأصل‏.‏ وهما لغتان في فعل مات إذا اتّصل به ضمير رفع متصل‏.‏

والنِسْيُ بكسر النون وسكون السين‏}‏ في قراءة الجمهور‏:‏ الشيء الحقير الذي شأنه أن يُنسى، ووزن فِعْل يأتي بمعنى اسم المفعول بقيْد تهيئته لتعلّق الفعل به دون تعلق حصل‏.‏

وذلك مثل الذبح في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وفديناه بذبح عظيم‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 107‏]‏، أي كبش عظيم معدّ لأن يذبح، فلا يقال للكبش ذبح إلا إذا أعد للذبح، ولا يقال للمذبوح ذبح بل ذَبيح‏.‏ والعرب تسمي الأشياء التي يغلب إهمالها أنْسَاءً، ويقولون عند الارتحال‏:‏ انظروا أنساءكم، أي الأشياء التي شأنكم أن تَنْسَوها‏.‏

ووصف النسي بمنسي مبالغة في نسيان ذكرها، أي ليتني كنت شيئاً غير متذكّر وقد نسيه أهله وتركوه فلا يلتفتون إلى ما يحل به، فهي تمنت الموت وانقطاع ذكرها بين أهلها من قبل ذلك‏.‏

وقرأه حمزة، وحفص، وخلف ‏{‏نَسْياً بفتح النون وهو لغة في النِّسي، كالوتر والوتر، والجسر والجسر‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏24‏]‏

‏{‏فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ‏(‏24‏)‏‏}‏

ضمير الرفع المستتر في ‏(‏ناداها‏)‏ عائد إلى ما عاد عليه الضمير الغائب في ‏{‏فحملته‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 22‏]‏، أي‏:‏ ناداها المولود‏.‏

قرأ نافع، وحمزة، والكسائي، وحفص، وأبو جعفر، وخلف، وروح عن يعقوب ‏{‏مِنْ تَحتها‏}‏ بكسر ميم ‏(‏من‏)‏ على أنها حرف ابتداء متعلّق ب ‏(‏ناداها‏)‏ وبجر ‏{‏تَحتها‏}‏‏.‏

وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم، ورويس عن يعقوب ‏{‏مَنْ بفتح الميم على أنها اسم موصول، وفتح تَحْتَهَا‏}‏ على أنه ظرف جعل صلة، والمعني بالموصول هو الغلام الذي تحتها‏.‏ وهذا إرهاص لعيسى وكرامة لأمّه عليهما السلام‏.‏

وقَيْدُ ‏{‏من تحتها‏}‏ لتحقيق ذلك، ولإفادة أنه ناداها عند وضعه قبل أن ترفعه مبادرة للتسلية والبشارة وتصويراً لتلك الحالة التي هي حالة تمام اتّصال الصبي بأمه‏.‏

و ‏{‏أنَّ من قوله ألاَّ تَحْزَني‏}‏ تفسيرية لفعل ‏(‏ناداها‏)‏‏.‏

وجملة ‏{‏قَدْ جَعلَ رَبُّككِ تحتك سَرِيّاً‏}‏ خبر مراد به التعليل لجملة ‏{‏ألاَّ تحزني‏}‏، أي أن حالتك حالة جديرة بالمسرة دون الحزن لما فيها من الكرامة الإلهية‏.‏

السرّي‏:‏ الجدول من الماء كالساقية، كثير الماء الجاري‏.‏

وهبَها الله طعاماً طيّباً وشراباً طيّباً كرامة لها يشهدها كل من يراها، وكان معها خطيبها يوسف النجار، ومن عسى أن يشهدها فيكون شاهداً بعصمتها وبراءتها مما يظن بها‏.‏ فأما الماء فلأنه لم يكن الشأن أن تأوي إلى مجرى ماء لتضع عنده‏.‏ وأما الرُطب فقيل كان الوقت شتاء، ولم يكن إبان رطب وكان جذع النخلة جذع نخلة ميتة فسقوط الرطب منها خارق للعادة‏.‏ وإنما أعطيت رُطباً دون التمر لأنّ الرطب أشهى للنفس إذ هو كالفاكهة وأما التمر فغذاء‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏25- 26‏]‏

‏{‏وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا ‏(‏25‏)‏ فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ‏(‏26‏)‏‏}‏

فائدة قوله ‏{‏وَهُزِي إليْككِ بِجِذْععِ النخلةوهزى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النخلة تساقط عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً * فَكُلِى‏}‏ أن يكون إثمار الجذع اليابس رُطباً ببركة تحريكها إياه، وتلك كرامة أخرى لها‏.‏ ولتشاهد بعينها كيف يُثمر الجذع اليابس رطباً‏.‏ وفي ذلك كرامة لها بقوّة يقينها بمرتبتها‏.‏

والباء في ‏{‏بِجِذْععِ النَّخْلَةِ‏}‏ لتوكيد لصوق الفعل بمفعوله مثل ‏{‏وامسحوا برؤوسكم‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 6‏]‏ وقوله ‏{‏ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 195‏]‏‏.‏

وضمن ‏{‏وَهُزي‏}‏ معنى قَرّبي أو أدني، فعُدي ب ‏(‏إلى‏)‏، أي حرّكي جذع النخلة وقرّبيه يَدْنُ إليك ويَلِنْ بعد اليبس ويُسقط عليك رطباً‏.‏

والمعنى‏:‏ أدني إلى نفسك جِذع النخلة‏.‏ فكان فاعل الفعل ومتعلقه متحداً، وكلاهما ضميرُ معادٍ واحد، ولا ضير في ذلك لصحة المعنى وورود أمثاله في الاستعمال نحو ‏{‏واضمم إليك جناحك‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 32‏]‏‏.‏ فالضامّ والمضموم إليه واحد‏.‏ وإنما منَع النحاة أن يكون الفاعل والمفعول ضميري معاد واحد إلاّ في أفعال القلوب، وفي فعلي‏:‏ عَدِم وفَقَد، لعدم سماع ذلك، لا لفساد المعنى، فلا يقاس على ذلك منع غيره‏.‏

والرطب‏:‏ تمر لم يتم جفافه‏.‏

والجَنيّ‏:‏ فعيل بمعنى مفعول، أي مجتنى، وهو كناية عن حَدثان سقوطه، أي عن طراوته ولم يكن من الرطب المخبوء من قبل لأن الرطب متى كان أقرب عهداً بنخلته كان أطيب طعماً‏.‏

و ‏{‏تَسَّاقط‏}‏ قرأه الجمهور بفتح التاء وتشديد السين أصله تتساقط بتاءين أدغمت التاء الثانية في السين ليتأتى التخفيف بالإدغام‏.‏

وقرأه حمزة بتخفيف السين على حذف إحدى التاءين للتخفيف‏.‏ و‏{‏رُطَبَاً‏}‏ على هاته القراءات تمييز لنسبة التساقط إلى النخلة‏.‏

وقرأه حفص بضم التاء وكسر السين على أنه مضارع سَاقَطَت النخلة تمرَها، مبالغة في أسقطت و‏{‏رُطَباً‏}‏ مفعول به‏.‏

وقرأه يعقوب بياء تحتية مفتوحة وفتح القاف وتشديد السين فيكون الضمير المستتر عائداً إلى ‏{‏جِذْع النَّخْلةِ‏}‏‏.‏

وجملة ‏{‏فَكُلِي‏}‏ وما بعدها فذلكة للجمل التي قبلها من قوله ‏{‏قد جعل ربك تحتك سرياً،‏}‏ أي فأنت في بحبوحة عيش‏.‏

وقرّة العين‏:‏ كناية عن السرور بطريق المضادة، لقولهم‏:‏ سَخِنت عينه إذا كثر بكاؤه، فالكناية بضد ذلك عن السرور كناية بأربع مراتب‏.‏ وتقدم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 9‏]‏‏.‏ وقرّة العين تشمل هناء العيش وتشمل الأنس بالطفل المولود‏.‏ وفي كونه قرّة عين كناية عن ضمان سلامته ونباهة شأنه‏.‏

وفتح القاف في ‏{‏وقَرّي عيناً‏}‏ لأنه مضارع قررت عينه من باب رضي، أدغم فنقلت حركة عين الكلمة إلى فائها في المضارع لأن الفاء ساكنة‏.‏

‏{‏فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البشر أَحَداً فقولى إِنِّى نَذَرْتُ للرحمن صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ اليوم إِنسِيّاً‏}‏‏.‏

هذا من بقية ما ناداها به عيسى، وهو وحي من الله إلى مريم أجراه على لسان الطفل، تلقيناً من الله لمريم وإرشاداً لقطع المراجعة مع من يريدُ مجادلتها، فعلّمها أن تنذر صوماً يقارنه انقطاع عن الكلام، فتكون في عبادة وتستريح من سؤال السائلين ومجادلة الجهلة‏.‏

وكان الانقطاع عن الكلام من ضروب العبادة في بعض الشرائع السالفة، وقد اقتبسه العرب في الجاهلية كما دلّ عليه حديث المرأة من أحمس التي حجّت مُصمتة‏.‏ ونسخ في شريعة الإسلام بالسنة، ففي «الموطأ» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً قائماً في الشمس فقال‏:‏ ما بال هذا‏؟‏ فقالوا‏:‏ نذر أن لا يتكلم ولا يستظل من الشمس ولا يجلسَ ويصوم‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ مروه فليتكلم وليستظل وليجلس وليُتم صيامه ‏"‏ وكان هذا الرجل يدعَى أبا إسرائيل‏.‏

وروي عن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه أنه دخل على امرأة قد نذرت أن لا تتكلم، فقال لها‏:‏ «إن الإسلام قد هدم هذا فتكلمي»‏.‏ وفي الحديث أن امرأة من أحْمَسَ حجّت مُصمتة، أي لا تتكلّم‏.‏ فالصمت كان عبادة في شرع من قبلنا وليس هو بشرع لنا لأنه نسخه الإسلام بقول النبي صلى الله عليه وسلم «مروه فليتكلّم»، وعمللِ أصحابه‏.‏

وقد دلّت الآثار الواردة في هذه على أشياء‏:‏

الأول‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوجب الوفاء بالنذر في مثل هذا، فدلّ على أنه غير قربة‏.‏

الثاني‏:‏ أنه لم يأمر فيه بكفارة شأن النذر الذي يتعذر الوفاء به أو الذي لم يسم له عمل معيّن كقوله‏:‏ عليّ نذر‏.‏ وفي «الموطأ» عقب ذكر الحديث المذكور قال مالك‏:‏ ولم يأمره بكفارة ولو كانت فيه كفارة لأمره بها فدلّ ذلك على أنه عمل لا اعتداد به بوجه‏.‏

الثالث‏:‏ أنه أومأ إلى علّة عدم انعقاد النذر به بقوله‏:‏ «إن الله عن تعذيب هذا نفسَه لغنيّ»‏.‏

فعلمنا من ذلك أنّ معنى العبادة أن تكون قولاً أو فعلاً يشتمل على معنى يكسب النفس تزكية ويبلغ بها إلى غاية محمودة مثل الصوم والحج، فيُحتمل ما فيها من المشقة لأجل الغاية السامية، وليست العبادة بانتقام من الله لعبده ولا تعذيب له كما كان أهل الضلال يتقربون بتعذيب نفوسهم، وكما شرع في بعض الأديان التعذيب القليل لخضد جلافتهم‏.‏

وفي هذا المعنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 36 37‏]‏، لأنهم كانوا يحسبون أن القربة إلى الله في الهدايا أن يريقوا دماءها ويتركوا لحومها ملقاة للعوافي‏.‏

وفي «البخاري»‏:‏ عن أنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى شيخاً يُهادَى بين ابنيه فقال‏:‏ ما بال هذا‏؟‏ قالوا‏:‏ نذر أن يمشي‏.‏ قال‏:‏ إن الله عن تعذيب هذا نفسَه لغنيّ‏.‏ وأمره أن يركب»، فلم ير له في المشي في الطواف قربة‏.‏

وفيه عن ابن عباس‏:‏ «أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ وهو يطوف بالكعبة بإنسان رَبط يده إلى إنسان بِسِيَرٍ أو بخيط أو بشيء غير ذلك، فقطعه النبي بيده ثم قال‏:‏ قده بيده»‏.‏

وفي «مسند أحمد» عن محمد بن عبدالله بن عمرو بن العاصي‏:‏ ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم أدرك رجلين وهما مقترنان‏.‏ فقال‏:‏ ما بالهما‏؟‏ قالا‏:‏ إنّا نذرنا لنقترنن حتى نأتي الكعبة، فقال‏:‏ أطلقا أنفُسكما ليس هذا نذراً إنما النذر ما يبتغى به وجه الله ‏"‏ وقال‏:‏ إسناده حسن‏.‏

الرابع‏:‏ أنّ الراوي لبعض هذه الآثار رواها بلفظ‏:‏ نهى رسول الله عن ذلك، ولذلك قال مالك في»الموطأ» عقب حديث الرجل الذي نذر أن لا يستظل ولا يتكلم ولا يجلس‏:‏ «قال مالك‏:‏ قد أمره رسول الله أن يتمّ ما كان لله طاعة ويترك ما كان لله معصية»‏.‏

ووجه كونه معصية أنه جراءة على الله بأن يعبده بما لم يشرع له ولو لم يكن فيه حَرج على النفس كنذر صمت ساعة، وأنه تعذيب للنفس التي كرّمها الله تعالى من التعذيب بوجوه التعذيب إلا لعمل اعتبره الإسلام مصلحة للمرء في خاصته أو للأمة أو لدرْء مفسدة مثل القصاص والجَلد‏.‏ ولذلك قال‏:‏ ‏{‏ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 29‏]‏‏.‏

وقال النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ إنّ دماءكم وأموالكم وأنفسكم وأبْشاركم عليكم حرام ‏"‏ لأن شريعة الإسلام لا تُناط شرائعها إلاّ بجلب المصالح ودَرء المفاسد‏.‏

والمأخوذ من قول مالك في هذا أنه معصية كما قاله في «الموطأ»‏.‏ ولذلك قال الشيخ أبو محمد في «الرسالة»‏:‏ «ومَن نذر معصية من قتل نفس أو شرب خمر أو نحوه أو ما ليس بطاعة ولا معصية فلا شيء عليه، وليستغفر الله»، فقوله‏:‏ «وليستغفر الله» بناء على أنه أتى بنذره مخالفاً لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عنه‏.‏ ولو فعل أحد صمتاً بدون نذر ولا قصد عبادة لم يكن حراماً إلا إذا بلغ إلى حد المشقة المضنية‏.‏

وقد بقي عند النصارى اعتبار الصمت عبادة وهم يجعلونه ترحماً على الميت أن يقفوا صامتين هنيهة‏.‏

ومعنى ‏{‏فقولي إني نَذَرْت للرحمنن صَوْماً‏}‏ فانذري صوماً وإن لقيت من البشر أحداً فقولي‏:‏ إنّي نذرت صوماً فحذفت جملة للقرينة‏.‏ وقد جعل القول المتضمن إخباراً بالنذر عبارة عن إيقاع النذر وعن الإخبار به كناية عن إيقاع النذر لتلازمهما لأن الأصل في الخبر الصدق والمطابقة للواقع مثل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قولوا آمنا بالله‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 136‏]‏‏.‏ وليس المراد أنها تقول ذلك ولا تفعله لأن الله تعالى لا يأذن في الكذب إلاّ في حال الضرورة مع عدم تأتّي الصدق معها، ولذلك جاء في الحديث‏:‏ ‏"‏ إن في المعاريض مندوحة عن الكذب ‏"‏

وأطلق القول على ما يدلّ على ما في النفس، وهو الإيماء إلى أنها نذرت صوماً مجازاً بقرينة قوله ‏{‏فلن أُكلِمَ اليَوْمَ إنْسِيّاً‏}‏‏.‏ فالمراد أن تؤدي ذلك بإشارة إلى أنها نذرت صوماً بأن تشير إشارة تدلّ على الانقطاع عن الأكل، وإشارةً تدل على أنها لا تتكلّم لأجل ذلك، فإن كان الصوم في شرعهم مشروطاً بترك الكلام كما قيل فالإشارة الواحدة كافية، وإن كان الصوم عبادة مستقلة قد يأتي بها الصائم مع ترك الكلام تشير إشارتين للدلالة على أنها نذرت الأمرين، وقد علمت مريم أنّ الطفل الذي كلّمها هو الذي يتولى الجواب عنها حِين تُسأل بقرينة قوله تعالى‏:‏

‏{‏فأشارت إليه‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 29‏]‏‏.‏

والنون في قوله ‏{‏تَرَيِنَّ‏}‏ نون التوكيد الشديدة اتصلت بالفعل الذي صار آخره ياء بسبب حذف نون الرفع لأجل حرف الشرط فحركت الياء بحركة مجانسة لها كما هو الشأن مع نون التوكيد الشديدة‏.‏

والإنْسِي‏:‏ الإنسان، والياء فيه للنسب إلى الإنس، وهو اسم جمع إنسان، فياء النسب لإفادة فرد من الجنس مثل‏:‏ ياء حَرْسي لواحد من الحرس‏.‏ وهذا نكرة في سياق النفي يُفيد العموم، أي لن أكلم أحداً‏.‏

وعدل عن أحد إلى ‏{‏إنسياً‏}‏ للرّعي على فاصلة الياء، وليس ذلك احترازاً عن تكليمها الملائكة إذ لا يخطر ذلك بالبال عندالمخاطبين بمن هيئت لهم هذه المقالة فالحمل عليه سماجة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏27- 28‏]‏

‏{‏فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا ‏(‏27‏)‏ يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ‏(‏28‏)‏‏}‏

دلت الفاء على أنّ مريم جاءت أهلها عقب انتهاء الكلام الذي كلّمها ابنها‏.‏ وفي إنجيل لوقا‏:‏ أنها بقيتْ في بيت لحم إلى انتهاء واحد وأربعين يوماً، وهي أيام التطهير من دم النّفاس، فعلى هذا يكون التّعقيب المستفاد من الفاء تعقيباً عرفياً مثل‏:‏ تزوّج فوُلد له‏.‏

و ‏{‏قَوْمَهَا‏}‏‏:‏ أهل محلتها‏.‏ وجملة ‏{‏تَحْمِلُهُ‏}‏ حال من تاء ‏{‏أتت‏.‏‏}‏ وهذه الحال للدلالة على أنها أتت معلنة به غير ساترة لأنها قد علمت أن الله سيبرئها ممّا يُتهم به مِثل من جاء في حالتها‏.‏

وجملة ‏{‏قالُوا يامَرْيَم‏}‏ مستأنفة استئنافاً بيانياً‏.‏ وقال قومها هذه المقالة توبيخاً لها‏.‏

وفَرِيّ‏:‏ فعيل من فَرَى من ذوات الياء‏.‏ ولهذا اللفظ عدّة إطلاقات، وأظهر محامله هنا أنه الشنيع في السوء، قاله مجاهد والسدّي، وهو جاءٍ من مادة افتَرى إذا كذب لأن المرأة تنسب ولدها الذي حملت به من زنى إلى زوجها كذباً‏.‏ ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن‏}‏ ‏[‏الممتحنة‏:‏ 12‏]‏‏.‏

ومن أهل اللغة مَن قال‏:‏ إن الفريّ والفرية مشتقان من الإفراء بالهمز، وهو قطع الجلد لإفساده أو لتحريقه، تفرقة بين أفرى وفَرى، وأن فرى المجرد للإصلاح‏.‏

والأخت‏:‏ مؤنث الأخ، اسم يضاف إلى اسم آخر، فيطلق حقيقة على ابنة أبوي ما أضيفت إلى اسمه أو ابنة أحد أبويه‏.‏ ويطلق على من تكون من أبناء صاحب الاسم الذي تضاف إليه إذا كان اسم قبيلة كقولهم‏:‏ يا أخا العرب، كما في حديث ضيف أبي بكر الصديق قوله لزوجه‏:‏ «يا أخت بني فراس ما هذا‏؟‏»، فإذا لم يذكر لفظ ‏(‏بني‏)‏ مضافاً إلى اسم جد القبيلة كان مقدّراً، قال سهل بن مالك الفزاري‏:‏

يا أخت خير البدو والحضارة *** كيف تَرَيْن في فتى فزارة

يريد يا أخت أفضل قبائل العرب من بدوها وحضرها‏.‏

فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أُخْتَ هارُونَ‏}‏ يحتمل أن يكون على حقيقته، فيكون لمريم أخ اسمه هارون كان صالحاً في قومه، خاطبوها بالإضافة إليه زيادة في التوبيخ، أي ما كان لأخت مثله أن تفعل فعلتك، وهذا أظهر الوجهين‏.‏ ففي «صحيح مسلم» وغيره عن المغيرة ابن شعبة قال‏:‏ «بعثني رسول الله إلى أهل نجران فقالوا‏:‏ أرأيت ما تَقرؤون ‏{‏ياأُخْتَ هارُونَ‏}‏ ومُوسى قبلَ عيسى بكذا وكذا‏؟‏ قال المغيرة‏:‏ فلم أدر ما أقول، فلما قدمتُ على رسول الله ذكرت ذلك له، فقال‏:‏ ألم يعلموا أنهم كانوا يُسمُّون بأسماء أنبيائهم والصالحين قبلهم» اه‏.‏ ففي هذا تجهيل لأهل نجران أن طعنوا في القرآن على توهم أن ليس في القوم من اسمه هارون إلاّ هارون الرسول أخا موسى‏.‏

ويحتمل أن معنى ‏{‏ياأُخْتَ هارُونَ‏}‏ أنها إحدى النساء من ذريّة هارون أخي موسى، كقول أبي بكر‏:‏ يا أخت بني فراس‏.‏ وقد كانت مريم من ذرية هارون أخي موسى من سبط لاوي‏.‏

ففي إنجيل لوقا كان كاهن اسمه زكرياء من فرقة أبِيّا وامرأتُه من بنات هارون واسمها إليصابات، وإليصابات زوجة زكرياء نسيبة مريم، أي ابنة عمّها، وما وقع للمفسرين في نسب مريم أنها من نسل سليمان بن داوود خطأ‏.‏

ولعل قومها تكلموا باللفظين فحكاه القرآن بما يصلح لهما على وجه الإيجاز‏.‏ وليس في هذا الاحتمال ما ينافي حديث المغيرة بن شعبة‏.‏

والسّوْء بفتح السين وسكون الواو‏:‏ مصدر ساءه، إذا أضرّ به وأفسد بعض حاله، فإضافة اسممٍ إليه تفيد أنه من شؤونه وأفعاله وأنه هو مصدر له‏.‏ فمعنى ‏{‏امْرَأَ سَوْءٍ‏}‏ رَجلَ عمل مفسد‏.‏

ومعنى البغي تقدّم قريباً‏.‏ وعنوا بهذا الكلام الكناية عن كونها أتت بأمر ليس من شأن أهلها، أي أتت بسوء ليس من شأن أبيها وبغاء ليس من شأن أمّها، وخالفت سيرة أبويها فكانت امرأة سوء وكانت بغياً؛ وما كان أبوها امرأ سوء ولا كانت أمها بغياً فكانت مبتكرة الفواحش في أهلها‏.‏ وهم أرادوا ذمّها فأتوا بكلام صريحه ثناء على أبويها مقتض أن شأنها أن تكون مِثل أبويها‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏29‏]‏

‏{‏فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ‏(‏29‏)‏‏}‏

أي أشارت إليه إشارة دلّت على أنها تُحيلهم عليه ليسألوه عن قصته، أو أشارت إلى أن يسمعوا منه الجواب عن توبيخهم إياها وقد فهموا ذلك من إشارتها‏.‏

ولما كانت إشارتها بمنزلة مراجعة كلام حكى حِوارهم الواقع عقب الإشارة بجملة القول مفصولةً غير معطوفة‏.‏

والاستفهام‏:‏ إنكار؛ أنكروا أن يكلموا من ليس من شأنه أن يتكلم، وأنكروا أن تحيلهم على مكالمته، أي كيف نترقب منه الجواب أو كيف نلقي عليه السؤال، لأن الحالتين تقتضيان التكلم‏.‏

وزيادة فعل الكون في ‏{‏مَن كَان في المَهدِ‏}‏ للدلالة على تمكن المظروفية في المهد من هذا الذي أحيلوا على مكالمته، وذلك مبالغة منهم في الإنكار، وتعجب من استخفافها بهم‏.‏ ففعل ‏(‏كان‏)‏ زائد للتوكيد، ولذلك جاء بصيغة المضي لأن ‏(‏كان‏)‏ الزائدة تكون بصيغة الماضي غالباً‏.‏

وقوله ‏{‏في المَهْدِ‏}‏ خبر ‏(‏مَن‏)‏ الموصولة‏.‏

و ‏{‏صَبِيّاً‏}‏ حال من اسم الموصول‏.‏

و ‏(‏المَهْدِ‏)‏ فراش الصبي وما يمهد لوضعه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏30- 33‏]‏

‏{‏قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ‏(‏30‏)‏ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ‏(‏31‏)‏ وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا ‏(‏32‏)‏ وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ‏(‏33‏)‏‏}‏

كلام عيسى هذا مما أهملته أناجيل النصارى لأنهم طووا خبر وصولها إلى أهلها بعد وضعها، وهو طيّ يتعجب منه‏.‏ ويدل على أنها كتبت في أحوال غير مضبوطة، فأطلع الله تعالى عليه نبيئه صلى الله عليه وسلم

والابتداء بوصف العبودية لله ألقاه الله على لسان عيسى لأن الله علم بأن قوماً سيقولون‏:‏ إنه ابن الله‏.‏

والتعبير عن إيتاء الكتاب بفعل المضي مراد به أن الله قدّر إيتاءه إياه، أي قدّر أن يوتيني الكتاب‏.‏

والكتاب‏:‏ الشريعة التي من شأنها أن تكتب لئلا يقع فيها تغيير‏.‏ فإطلاق الكتاب على شريعة عيسى كإطلاق الكتاب على القرآن‏.‏ والمراد بالكتاب الإنجيل وهو ما كتب من الوحي الذي خاطب الله به عيسى‏.‏ ويجوز أن يراد بالكتاب التوراة فيكون الإيتاء إيتاءَ علم ما في التوراة كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا يحيى خذ الكتاب بقوة‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 12‏]‏ فيكون قوله ‏{‏وجعلني نبيئاً‏}‏ ارتقاء في المراتب التي آتاه الله إياها‏.‏

والقول في التعبير عنه بالماضي كالقول في قوله و‏{‏ءاتانِي الكِتَابَ‏}‏‏.‏

والمبارَك‏:‏ الذي تُقارن البركةُ أحوالَه في أعماله ومحاورته ونحو ذلك، لأن المبارك اسم مفعول من باركه، إذا جعله ذا بركة، أو من بَارك فيه، إذا جعل البركة معه‏.‏

والبركة‏:‏ الخير واليمن‏.‏

ذلك أن الله أرسله برحمة لبني إسرائيل ليُحلّ لهم بعض الذي حُرم عليهم وليدعوَهم إلى مكارم الأخلاق بعد أن قست قلوبهم وغيروا من دينهم، فهذه أعظم بركة تقارنه‏.‏ ومن بركته أن جعل الله حُلوله في المكان سبباً لخير أهل تلك البقعة من خصبها واهتداء أهلها وتوفيقهم إلى الخير، ولذلك كان إذا لقيه الجهلة والقُسَاة والمفسدون انقلبوا صالحين وانفتحت قلوبهم للإيمان والحكمة، ولذلك ترى أكثر الحواريين كانوا من عامة الأميين من صيادين وعشّارين فصاروا دُعاة هدى وفاضت ألسنتهم بالحكمة‏.‏

وبهذا يظهر أن كونه مباركاً أعم من كونه نبيئاً عموماً وجهياً، فلم يكن في قوله ‏{‏وجعلنبي نبيئاً‏}‏ غُنية عن قوله ‏{‏وجعلني مُبَاركاً‏}‏‏.‏

والتعميم الذي في قوله ‏{‏أين مَا كُنتُ‏}‏ تعميم للأمكنة، أي لا تقتصر بركته على كونه في الهيكل بالمقدس أو في مجمع أهل بلده، بل هو حيثما حلّ تحلّ معه البركة‏.‏

والوصاية‏:‏ الأمر المؤكد بعمل مستقبل، أي قدّر وصيتي بالصلاة والزكاة، أي أن يأمرني بهما أمراً مؤكداً مستمراً، فاستعمال صيغة المضي في ‏{‏أوصاني‏}‏ مثل استعمالها في قوله ‏{‏ءاتَانِي الكِتَابَ‏}‏‏.‏

والزّكاة‏:‏ الصدقة‏.‏ والمراد‏:‏ أن يصلّي ويزكّي‏.‏ وهذا أمر خاص به كما أمر نبيئنا صلى الله عليه وسلم بقيام الليل، وقرينة الخصوص قوله ‏{‏مَا دُمْتُ حَيّاً‏}‏ لدلالته على استغراق مدة حياته بإيقاع الصلاة والصدقة، أي أن يصلي ويتصدّق في أوقات التمكن من ذلك، أي غير أوقات الدعوة أو الضرورات‏.‏

فالاستغراق المستفاد من قوله ‏{‏مَا دُمْتُ حَيّاً‏}‏ استغراقٌ عرفي مراد به الكثرة؛ وليس المراد الصلاة والصدقة المفروضتين على أمته، لأن سياق الكلام في أوصاف تميّز بها عيسى عليه السلام، ولأنه لم يأت بشرع صلاة زائدة على ما شرع في التوراة‏.‏

والبَرّ بفتح الباء‏:‏ اسم بمعنى البار‏.‏ وتقدم آنفاً‏.‏ وقد خصه الله تعالى بذلك بين قومه، لأن برّ الوالدين كان ضعيفاً في بني إسرائيل يومئذ، وبخاصة الوالدة لأنها تستضعف، لأن فرط حنانها ومشقتها قد يجرئان الولد على التساهل في البرّ بها‏.‏

والجبّار‏:‏ المتكبر الغليظ على الناس في معاملتهم‏.‏ وقد تقدم في سورة هود ‏(‏59‏)‏ قوله‏:‏ ‏{‏واتبعوا أمر كل جبار عنيد‏}‏

والشقيّ‏:‏‏}‏ الخاسر والذي تكون أحواله كدرة له ومؤلمة، وهو ضدّ السعيد‏.‏ وتقدّم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فمنهم شقي وسعيد‏}‏ في آخر سورة هود ‏(‏105‏)‏‏.‏

ووصف الجبار بالشقي باعتبار مآله في الآخرة وربما في الدنيا‏.‏

وقوله والسَّلامُ عليَّ يَوْم وُلِدتُّ‏}‏ إلى آخره، تنويه بكرامته عند الله، أجراه على لسانه ليعلموا أنه بمحل العناية من ربّه، والقول فيه تقدّم في آية ذكر يحيى‏.‏

وجيء بالسَّلامُ هنا معرّفاً باللام الدالة على الجنس مبالغة في تعلّق السلام به حتى كان جنس السلام بأجمعه عليه‏.‏ وهذا مؤذن بتفضيله على يحيى إذ قيل في شأنه ‏{‏وسَلام عليه يومُ ولد‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 15‏]‏، وذلك هو الفرق بين المعرّف بلام الجنس وبين النكرة‏.‏

ويجوز جعل اللام للعهد، أي سلام إليه، وهو كناية عن تكريم الله عبده بالثناء عليه في الملأ الأعلى وبالأمر بكرامته‏.‏ ومن هذا القبيل السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 56‏]‏، وما أمرنا به في التشهد في الصلاة من قول المتشهد‏:‏ «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته»‏.‏

ومؤذن أيضاً بتمهيد التّعريض باليهود إذ طعنوا فيه وشتموه في الأحوال الثلاثة، فقالوا‏:‏ ولد من زنى، وقالوا‏:‏ مات مصلوباً، وقالوا‏:‏ يحشر مع الملاحدة والكفرة، لأنهم يزعمون أنه كفر بأحكام من التوراة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏34- 35‏]‏

‏{‏ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ‏(‏34‏)‏ مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ‏(‏35‏)‏‏}‏

اعتراض بين الجُمل المقولة في قوله‏:‏ ‏{‏قال إني عَبْدُ الله‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 30‏]‏ مع قوله‏:‏ ‏{‏وإن الله ربي وربكم‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 36‏]‏، أي ذلك المذكور هو عيسى ابن مريم لا كما تزعم النصارى واليهود‏.‏

والإشارة لتمييز المذكور أكمل تمييز تعريضاً بالرد على اليهود والنصارى جميعاً، إذ أنزله اليهود إلى حضيض الجناة، ورفعه النصارى إلى مقام الإلهية، وكلاهما مخطئ مبطل، أي ذلك هو عيسى بالحق، وأما من تصفونه فليس هو عيسى لأن استحضار الشخص بصفات غير صفاته تبديل لشخصيته، فلما وصفوه بغير ما هو صفته جُعلوا بمنزلة من لا يعرفونه فاجتلب اسم الإشارة ليتميز الموصوف أكمل تمييز عند الذين يريدون أن يعرفوه حق معرفته‏.‏ والمقصود بالتمييز تمييز صفاته الحقيقية عن الصفات الباطلة التي ألصقوها به لا تمييزُ ذاته عن الذوات إذ ليست ذاته بحاضرة وقت نزول الآية، أي تلك حقيقة عيسى عليه السلام وصفته‏.‏

و ‏{‏قَوْلُ الحقّ‏}‏ قرأهُ الجمهور بالرفع، وقرأه ابن عامر، وعاصم، ويعقوب بالنصب؛ فأما الرفع فهو خبرٍ ثاننٍ عن اسم الإشارة أو وصف لعِيسى أو بدل منه، وأما النصب فهو حال من اسم الإشارة أو من عيسى‏.‏

ومعنى ‏{‏قَولَ الحقّ‏}‏ أن تلك الصفات التي سمعتم هي قول الحق، أي مَقول هو الحق وما خالفها باطل، أو أن عيسى عليه السلام هو قول الحق، أي مقول الحق، أي المكون من قول ‏(‏كُن‏)‏، فيكون مصدراً بمعنى اسم المفعول كالخلق في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هذا خلق الله‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 11‏]‏‏.‏

وجَوّز أبو علي الفارسي أن يكون نصب ‏{‏قَولَ الحقّ‏}‏ بتقدير‏:‏ أحُقُّ قولَ الحق، أي هو مصدر مؤكّد لمضمون الجملة قبله منصوب بفعل محذوف وجوباً، تقديره‏:‏ أحُقّ قولَ الحق‏.‏ ويجوز أن يكون ‏{‏قَولَ الحقّ‏}‏ مصدراً نائباً عن فعله، أي أقول قول الحق‏.‏ وعلى هذين الوجهين يكون اعتراضاً‏.‏ ويجوز أن يكون ‏{‏قَولَ‏}‏ مصدراً بمعنى الفاعل صفة لعِيسَى أو حالاً منه، أي قائل الحق إذ قال‏:‏ ‏{‏إنِّي عَبْدُ الله ءاتانِي الكِتابَ إلى قوله‏:‏ ‏{‏أُبْعثُ حَيّاً‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 30 33‏]‏‏.‏

و ‏{‏الَّذي فيهِ يمْتَرُونَ‏}‏ صفة ثانية أو حال ثانية أو خبر ثان عن ‏{‏عيسى ابنُ مريمَ‏}‏ على ما يناسب الوجوه المتقدمة‏.‏

والامتراء‏:‏ الشكّ، أي الذي فيه يشكون، أي يعتقدون اعتقاداً مَبناه الشك والخطأ، فإن عاد الموصول إلى القول فالامتراء فيه هو الامتراء في صدقه، وإن عاد إلى عيسى فالامتراء فيه هو الامتراء في صفاته بين رافع وخافض‏.‏

وجملة ‏{‏مَا كَانَ لله أنْ يتَّخِذْ من ولد‏}‏ تقرير لمعنى العبودية، أو تفصيل لمضمون جملة ‏{‏الذي فيه يمترون‏}‏ فتكون بمنزلة بدل البعض أو الاشتمال منها، اكتفاءً بإبطال قول النصارى بأن عيسى ابن الله، لأنه أهم بالإبطال، إذ هو تقرير لعبودية عيسى وتنزيه لله تعالى عما لا يليق بجلال الألوهيّة من اتخاذ الولد ومن شائبة الشرك، ولأنه القول الناشيء عن الغلوّ في التقديس، فكان فيما ذكر من صفات المدح لعيسى ما قد يقوي شبهتهم فيه بخلاف قول اليهود فقد ظهر بطلانه بما عُدد لعيسى من صفات الخير‏.‏

وصيغة ‏{‏ما كان لله أن يتّخذ‏}‏ تفيد انتفاء الولد عنه تعالى بأبلغ وجه لأنّ لام الجحود تفيد مبالغة النّفي، وأنه مما لا يلاقي وجود المنفي عنه، ولأن في قوله‏:‏ ‏{‏أن يتخذَ‏}‏ إشارة إلى أنه لو كان له ولد لكان هو خَلَقَه، واتّخذه فلم يَعْدُ أن يكون من جملة مخلوقاته، فإثبات البنوّة له خُلْف من القَوْل‏.‏

وجملة ‏{‏إذا قَضَى أمراً إنما يَقُولُ لهُ كُن فيَكُونُ‏}‏ بيان لجملة ‏{‏ما كان لله أن يتَّخِذ من ولدٍ‏}‏، لإبطال شبهة النصارى إذ جعلوا تكوين إنسان بأمر التكوين عن غير سبب معتاد دليلاً على أن المكوّن ابن لله تعالى، فأشارت الآية إلى أن هذا يقتضي أن تكون أصول الموجودات أبناء لله وإن كان ما يقتضيه لا يخرج عن الخضوع إلى أمر التكوين‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏36‏]‏

‏{‏وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ‏(‏36‏)‏‏}‏

يجوز أن يكون هذا بقيةً لكلام جرى على لسان عيسى تأييداً لبراءة أمّه وما بينهما اعتراض كما تقدم آنفاً‏.‏

والمعنى‏:‏ تعميم ربوبية الله تعالى لكل الخلق‏.‏

وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر، ورويس عن يعقوب همزة ‏{‏وأَنَّ‏}‏ مفتوحة فخرجه الزمخشري أنه على تقدير لام التعليل، فإن كان من كلام عيسى فهو تعليل لقوله ‏{‏فاعبدوهُ‏}‏ على أنه مقدّم من تأخير للاهتمام بالعِلّة لكونها مقررة للمعلول ومثبته له على أسلوب قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأنّ المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً‏}‏ ‏[‏الجنّ‏:‏ 18‏]‏ ويكون قوله ‏{‏فَاعبُدُوهُ‏}‏ متفرعاً على قوله ‏{‏إني عَبْدُ الله‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 30‏]‏ بعد أن أُردف بما تعلّق به من أحوال نفسه‏.‏

ولما اشتمل مدخول لام التعليل على اسم الجلالة أضمر له فيما بعد‏.‏ وتقدير النظم هكذا‏:‏ فاعبدوا الله لأنه ربّي وربكم‏.‏

ويجوز أن يكون عطفاً على قوله ‏{‏بالصلاة والزكواة‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 31‏]‏، أي وأوصاني بأنّ الله ربّي وربكم، فيكون بحذف حرف الجر وهو مطرد مع ‏(‏أنّ‏)‏‏.‏

ويجوز أن يكون معطوفاً على ‏{‏الحَقّ‏}‏ من قوله ‏{‏قَولَ الحَقّ‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 34‏]‏ على وجه جعل ‏{‏قَولَ‏}‏ بمعنى قائل، أي قائل الحق وقائلُ إن الله ربّي وربّكم، فإن همزة ‏{‏أنَّ‏}‏ يجوز فتحها وكسرها بعد مادة القول‏.‏

وإن كان ممّا خوطب النبي صلى الله عليه وسلم بأنْ يقوله كان بتقدير قول محذوف، أو عطفاً على ‏{‏مَرْيَمَ‏}‏ من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واذْكُر فِي الكتاب مَرْيَمَ‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 16‏]‏، أي اذْكر يا محمد أن الله ربّي فكذلك، ويكون تفريع ‏{‏فاعبدوه‏}‏ على قوله‏:‏ ‏{‏مَا كانَ لله أن يتَّخِذَ من وَلدٍ سبحانه‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 35‏]‏ إلى آخره‏.‏‏.‏‏.‏

وقرأه ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخَلف، ورَوْح عن يعقوب بكسر همزة ‏{‏إنَّ‏}‏‏.‏ ووجهها ظاهر على كلا الاحتمالين‏.‏

وجملة ‏{‏هَذا صِراطٌ مسْتَقِيم‏}‏ تذييل وفذلكة لما سبقه على اختلاف الوجوه‏.‏ والإشارة إلى مضمون ما تقدّم على اختلاف الوجوه‏.‏

والمراد بالصراط المستقيم اعتقاد الحق، شُبه بالصراط المستقيم على التشبيه البليغ، شُبه الاعتقاد الحق في كونه موصولاً إلى الهدى بالصراط المستقيم في إيصاله إلى المكان المقصود باطمئنان بال، وعُلم أن غير هذا كبنَيّات الطريق مَن سلكها ألقت به في المخاوف والمتالف كقوله ‏{‏وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 153‏]‏‏.‏